ابن بطوطة
410
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
حول مسجد الخيف « 233 » ، والأمر في ذلك واسع ، ولما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة ، ثم نحروا وذبحوا ، ثم حلقوا وحلّوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة ، ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر ، ولما رموها توجه أكثر الناس بعد أن ذبحوا وحلقوا إلى طواف الإفاضة ، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني ، وفي اليوم الثاني رمى الناس عند زوال الشمس بالجمرة الأولى سبعة حصيات ، وبالوسطى كذلك ، ووقفوا للدعاء بهاتين الجمرتين اقتداء بفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولما كان اليوم الثالث تعجل الناس الانحدار إلى مكة ، شرّفها اللّه بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين حصاة ، وكثير منهم أقام اليوم الثالث بعد يوم النحر حتى رمي سبعين حصاة . ذكر كسوة الكعبة وفي يوم النّحر بعثت كسوة الكعبة الشريفة من الركب المصري إلى البيت الكريم ، فوضعت في سطحه ، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشّيبيون في إسبالها على الكعبة الشريفة ، وهي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان ، وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض : جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياما الآية ، وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن ، وعليها نور لائح مشرق من سوادها . ولما كسيت شمّرت أذيالها صونا عن أيدي الناس ، والملك الناصر هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقومة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كلّ سنة . وفي هذه الأيام تفتح الكعبة الشريفة كلّ يوم للعراقيين والخراسانيين وسواهم ممن يصل مع الركب العراقي ، وهم يقيمون بمكة بعد سفر الركبين : الشامي والمصري أربعة أيام ، فيكثرون فيها الصدقات على المجاورين وغيرهم . ولقد شاهدتهم يطوفون بالحرم ليلا فمن لقوه في الحرم من المجاورين أو المكيين أعطوه الفضّة والثياب ، وكذلك يعطون للمشاهدين الكعبة الشريفة ، وربما وجدوا إنسانا نائما فجعلوا في فيه الذهب والفضة حتى يفيق ! ولما قدمت معهم من العراق سنة ثمان وعشرين « 234 » فعلوا من ذلك كثيرا ، وأكثروا الصدقة حتى رخص سوم الذهب بمكة ، وانتهى صرف المثقال إلى ثمانية عشر درهم « 235 » نقرة لكثرة ما تصدّقوا به من الذهب .
--> ( 233 ) الجمرات علم جغرافي على مواقع معروفة - يذكر الهروي أن قبر آدم بمسجد الخيف ( 234 ) الصواب سبع وعشرون - 1337 كما سيأتي . ( 235 ) كان الصرف العادي للمثقال عشرين درهما .